حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
671
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا : لا طاقة لنا ، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم : لا طاقة لنا اليوم . فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل . وقال الآخرون : بل نرجو من اللّه الفتح والظفر . فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر ، وكلا الغرضين محمود . والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة . يقال : أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة ، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة . وفي المثل « أساء سمعا فأساء جابة » أي جوابا ومعنى قوله يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت . عن قتادة : أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب اللّه بسبب هذه الطاعة ، وذلك أن أحدا لا يعلم عاقبة أمره ، وعن أبي مسلم : أو تظنون أنهم ملاقو طاعة اللّه من غير رياء وسمعة وبنية خالصة ، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن ، أو المراد بقوله يَظُنُّونَ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد ، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة ، وقال الزجاج : هي من قولهم « فأوت رأسه بالسيف » وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس . والمراد تقوية قلوب الذين قالوا : لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة ، ومحل « كم » رفع بالابتداء و غَلَبَتْ الجملة خبره ، بِإِذْنِ اللَّهِ بتيسيره وتسهيله . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالمعونة والتأييد يحتمل أن يكون من قوله تعالى وأن يكون من قول الذين يظنون . قوله سبحانه وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه . واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة اللّه اشتغلوا بالدعاء و قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وهكذا كان يفعل نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من اللّه وعده ، وكان متى لقي عدوا قال : اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ، اللهم بك أصول وبك أجول . والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة . أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة ، فإنه إن كان